مصطفى صادق الرافعي

109

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

والأصول التي أوقع الكلام عليها ، حتى عدوه الكتاب وحده ؛ لا يشرك العلماء معه كتابا آخر في خطره ومنزلته وبعد غوره وإحكام ترتيبه وقوة حجته وبسط عبارته وتوثيق سرده ، فانظر ما عسى أن يكون غيره مما سبقه أو تلاه . وما زاد الباقلاني - رحمه اللّه - على أن ضمن كتابه روح عصره ، وعلى أن جعله في هذا الباب كالمستحثّ للخواطر الوانية والهمم المتثاقلة في أهل التحصيل والاستيعاب الذين لم يذهبوا عن معرفة الأدب ، ولم يغفلوا عن وجه اللسان ولم ينقطعوا دون محاسن الكلام وعيوبه ، ولم يضلوا في مذاهبه وفنونه ، حتى قال : إن الناقص في هذه الصنعة كالخارج عنها ، والشادي « 1 » فيها كالبائن منها ، وقد كانت علوم البلاغة لم تهذّب لعهده ، ولم يبلغ منها الاستنباط العلمي ، ولم تجرّد فيها الأمهات والأصول : ككتب عبد القاهر ومن جاء بعده ، فبسط الرجل من ذلك شيئا ، وأجمل شيئا ؛ وهذّب شيئا ونحا في الانتقاد منحى الذين سبقوه من العلماء بالشعر وأهل الموازنة بين الشعراء ، وكانت تلك العصور بهم حفيلة . وبالجملة فقد وضع ما لم يكن يمكن أن يوضع أوفى منه في عصره ، بيد أن القرآن كتاب كل عصر ، وله في كل دهر دليل من الدهر على الإعجاز ونحن قد قلنا في غير الجهات التي كتب فيها كل من قبلنا ، وسيقول من بعدنا فيما يفتح اللّه به ؛ إن ذلك على اللّه يسير . وممن ألّفوا في الإعجاز أيضا على وجوه مختلفة من البلاغة والكلام وما إليهما : الإمام الخطابي المتوفى سنة 388 ، وفخر الدين الرازي المتوفى سنة 606 ، والأديب البليغ ابن أبي الإصبع المتوفى سنة 654 ، والزملكاني المتوفى سنة 727 وهي كتب بعضها من بعض « 2 » . ومن أعجب ما رأيناه أن لابن سراقة كتابا في الإعجاز « من حيث الأعداد ذكر فيه

--> ( 1 ) أي المبتدئ ، يقال شدا من الأدب : إذا أخذ طرفا منه . ( 2 ) كل ما تكشفه كتب التفسير وكتب البلاغة من دقائق نظم القرآن وأسرار تركيبه ، فهو من أدلة إعجازه . وفي ص 148 ج 1 معجم الأدباء : لأبي زيد البلخي كتاب « نظم القرآن » قالوا : لا يفوقه في هذا الباب تأليف . قال ياقوت : قرأت في كتاب « البصائر » لأبي حيان الفارسي ( التوحيدي ) قال : قال أبو حامد القاضي - راجع المعركة - : لم أر كتابا في القرآن مثل كتاب لأبي زيد البلخي ، وكان فاضلا يذهب في رأي الفلسفة ، لكنه تكلم في القرآن بكلام لطيف دقيق في مواضع وأخرج سرائره وسماه « نظم القرآن » ولم يأت على جميع المعاني فيه . قال : وللكعبي ( أبو قاسم الكعبي ، وكان وزيرا ، ببلغ لعاملها ، وأبو زيد كاتبه ) كتاب في التفسير يزيد حجمه على كتاب أبي زيد . قلنا : فقد كان نظم القرآن يراد به تفسير معانيه وسرائره .